عبد الملك الجويني
42
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
القضية العقلية تدل على إثبات الصفة على الجملة ، فأما كون العلم زائدا على القدرة فمما لا يتوصل القطع إليه عقلا . والسبيل فيه التمسك بأدلة السمع ، فإن المتكلمين في الصفات بالنفي والإثبات مجمعون على نفي صفة في حكم العلم والقدرة ، فمن رام إثبات صفة في حكمها كان خارقا للإجماع . فإن قيل : إذا لم يبعد ثبوت علم في حكم علوم ، فما المانع من مصيرنا إلى أن الباري تعالى عالم بالمعلومات لنفسه ، قادر عليها لنفسه ، وتكون نفسه في حكم العلم والقدرة ، وذلك يفضي إلى الاستغناء بالذات عن الصفات ؟ قلنا : هذا ليس بالاستدلال ، فإنكم بنيتم قولكم هذا على أصل تعتقدون فساده ؛ إذ العلم الذي اعتقدناه غير ثابت عندكم ، فكيف تبنون مذهبكم على ما تعتقدون بطلانه ؟ ثم مضمون ما عولتم عليه يقضي بما توافقوننا على بطلانه ؛ وذلك أن ذات الباري تعالى لو كان في حكم العلوم لكانت علما ، وهذا ما لا ينتحله أحد من أهل الملة . وقد قال أبو الهذيل « 1 » : الباري تعالى عالم بعلم ، وعلمه نفسه ، ونفسه ليست بعلم ، وعدّ هذا من فضائحه ومناقضاته . وهو مع مفارقة ما أنكره سائر المعتزلة ، ينكر كون ذات الباري تعالى علما وقدرة . وأحق الناس بالتزام ذلك المعتزلة ؛ فإنهم قالوا : لو ثبت للباري تعالى علم متعلق بمعلوم علمنا ، لكن مثلا لعلمنا ؛ فلو قضوا بكون ذاته في حكم العلوم ، لألزموا كون ذاته علما ، وهو مما يأبونه أصلا . فإن قيل : إن كان ما ذكرتموه دفعا لكلام الخصم ، فبم تدفعون ذلك عن أنفسكم ، وقد زعمتم أن العقل يقضي بإثبات الصفة على الجملة ، والكلام في التفاصيل موقوف على الأدلة السمعية ؟ قلنا : هذا مما لا يحتمل هذا المعتقد بسطه ، ولكن القدر اللائق به أن العقل يدل على إثبات العلم ، ثم المصير إلى أن العلم زائد على النفس مدركه السمع ، فإذا دل العقل على إثبات العلم ، وانعقد الإجماع على أن وجود الباري تعالى ليس بعلم ، فيحصل من مدلول السمع والعقل إثبات علم زائد على الوجود ، وباللّه التوفيق . فصل قد ذكرنا الدليل على إثبات كون الباري تعالى مريدا عند تعرضنا لإثبات العلم بأحكام الصفات . ثم مذهب أهل الحق أن الباري تعالى مريد بإرادة قديمة . وقد زعمت المعتزلة البصريون أنه مريد بإرادة حادثة لا في محل ، وذلك باطل من أوجه : منها ، إن إرادته لو كانت حادثة لا فتقرت إلى تعلق إرادة بها ؛ فإن كل فعل ينشئه الفاعل ، وهو عالم به وبإيقاعه على صفة مخصوصة في وقت مخصوص ، فلا بد أن يكون قاصدا إلى إيقاعه ؛ ونفي
--> ( 1 ) هو محمد بن الهذيل المعروف بالعلاف ، شيخ المعتزلة والذاب عنهم ، أخذ الاعتزال عن واصل بن عطاء وعثمان بن خالد الطويل ، كان يقول بفناء مقدورات اللّه عز وجل . مات عام 226 وقيل 235 . انظر شذرات الذهب 2 / 85 . والفرق بين الفرق .